كُنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي عَامٍ 1327م حينَ أَكْمَلْتُ طَرِيقِي عَائِدًا مَعَ قَافِلَةٍ إِلَى بَغْدَادَ فِي
الْعِرَاقِ إِحْدَى الْعَادَاتِ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ تَكْرِيمُ الضَّيْفِ بِأَخْذِهِ إِلَى الْحَمَّامَاتِ لِلاغْتِسَالِ
وَالاسْتِرْخَاءِ فِي الْمَاءِ السَّاخِنِ وَرَوَائِحِ الصَّابُونِ الطِّينِيَّةِ. كَمِ اسْتَمْتَعْتُ بِالسَّاعَاتِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي
قَضَيْتُهَا هُنَاكَ!
بَعْدَهَا ذَهَبْتُ إِلَى مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا فِي تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ. كَانَ فِيهَا
أهمُّ وَأَكْبَرُ مِينَاءٍ فِي الْمِنْطَقَةِ. حينَ وَصَلْتُ طُفْتُ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتُ فِي مَسَاجِدِهَا، وَلَكِنِّي لَمْ أَبْقَ
فِيهَا وَقْتًا طَوِيلًا.
مَحَطَّتِي التَّالِيَةُ كَانَتْ مَكَّةَ مُجَدَّدًا . بَقِيتُ فِيهَا سَنَةً كَامِلَةً. ثُمَّ اتَّجَهْتُ جَنُوبًا إِلَى جَدَّةَ،
مَدِينَةٍ عَلَى الْبَحْرِ الأَحْمَرِ ، وَرَكِبْتُ عَلَى مَتْنِ سَفِينَةٍ مُتَّجِهَةً إِلَى عَدَنَ فِي الْيَمَنِ.
كَانَتْ تِلْكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أُسَافِرُ فِيهَا بَحْرًا. كُنْتُ خَائِفًا بَعْضَ الشَّيْءِ، بِخَاصَّةٍ أَنَّنِي كُنْتُ قَدْ
سَمِعْتُ عَنْ قَرَاصِنَةِ الْبَحْرِ الَّذِينَ يَتَعَدَّوْنَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ وَيَسْلُبُونَ مُمْتَلَكَاتِهِمْ كُنْتُ عَلَى عِلْمٍ
أَيْضًا بِأَنَّ الْإِبْحَارَ فِي الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ بِالذَّاتِ صَعْبٌ وَخَطِرٌ بِسَبَبِ الْعَوَاصِفِ الْمُفَاجِنَّةِ.